الجزائر وفرنسا على وقع توتر جديد.. الصحراء والمعارضون في الواجهة

عاد التوتر ليطفو من جديد على سطح العلاقات الجزائرية الفرنسية، بعدما أقدمت وزارة الشؤون الخارجية الجزائرية، مساء السبت، على استدعاء القائم بأعمال سفارة فرنسا بالجزائر، على خلفية بث القناة الفرنسية “فرانس 2” لفيلم وثائقي اعتبرته الجزائر “استهدافًا مباشرا للدولة ومؤسساتها ورموزها السيادية”.
ولم يكن هذا الاستدعاء، متابعين، إجراءً دبلوماسيًا عاديا، بل عكس حالة امتعاض واضحة داخل دوائر القرار في الجزائر، خاصة أن الشريط الوثائقي تطرق إلى ملفات شديدة الحساسية؛ من بينها قضية الصحراء المغربية، وملف المعارضين الجزائريين المقيمين بالخارج، إضافة إلى اتهامات تتعلق بالتجسس والتأثير داخل مؤسسات فرنسية سيادية.
في هذا الإطار، اعتبر رفيق بوهلال، المحلل السياسي الجزائري المقيم بفرنسا، أن لجوء الجزائر إلى استدعاء القائم بالأعمال الفرنسي دليل على أن مضمون الوثائقي “أربك السلطة الجزائرية وأصابها في نقاط بالغة الحساسية”.
وأوضح بوهلال، في تصريح لجريدة الأحداث تيفي، أن الملف الأبرز الذي أثار انزعاج الجزائر يتمثل في قضية الصحراء المغربية، لافتًا إلى أن الموقف الفرنسي الداعم لمغربية الصحراء ساهم في تعقيد العلاقات الثنائية، وعمّق شعور الجزائر بالتهميش في هذا الملف.
وأضاف المتحدث أن الوثائقي سلط الضوء كذلك على قضية المعارض الجزائري أمير بوخرص، وما وُصف بـ”عملية اختطاف” جرت فوق الأراضي الفرنسية، والتي صنفها القضاء الفرنسي كعمل ذي طابع إرهابي، وأسفرت عن إدانة موظف قنصلي جزائري، في وقت لا يزال متورط آخر في حالة فرار.
وأشار المحلل السياسي ذاته إلى أن الشريط كشف أيضًا عن ممارسات نسبت إلى أجهزة الاستخبارات الجزائرية، تتعلق بمحاولات التأثير على مواطنين فرنسيين من أصول جزائرية يشغلون مناصب حساسة داخل مؤسسات الدولة الفرنسية، بهدف جمع معلومات أو مراقبة معارضين.
واعتبر بوهلال أن أخطر ما تضمنه الوثائقي هو الحديث عن ضغوط مورست على منتخبين فرنسيين من أصول جزائرية، من أجل دعم أجندة سياسية مرتبطة بالرئيس عبد المجيد تبون، والتصدي لتيارات اليمين المتطرف، واصفًا ذلك بـ”السابقة الخطيرة منذ استقلال الجزائر”.
وأكد المتحدث أن رد الفعل الجزائري، سواء عبر استدعاء الدبلوماسي الفرنسي أو من خلال بيانات وكالة الأنباء الرسمية، يعكس توترًا حادًا إزاء الصحافة والقضاء المستقلين في فرنسا.
وتوقع المحلل السياسي أن تتجه العلاقات بين البلدين نحو مزيد من التأزم خلال المرحلة المقبلة، مرجحًا استمرار هذا الوضع إلى غاية الانتخابات الرئاسية الفرنسية لسنة 2027، مع احتمال بلوغ القطيعة في حال وصول اليمين المتطرف إلى السلطة.
من جانبه، اعتبر شوقي بن زهرة، الناشط السياسي الجزائري المعارض، أن استدعاء القائم بالأعمال الفرنسي أصبح “سلوكًا متكررًا” لدى السلطات الجزائرية منذ مطلع سنة 2025، سواء خلال فترة السفير السابق أو بعد مغادرته.
وأوضح بن زهرة، في تصريح لجريدة الأحداث تيفي، أن هذا التصعيد الدبلوماسي يأتي ضمن سياق غير مسبوق من البيانات الرسمية الصادرة عن الخارجية الجزائرية تجاه فرنسا، مؤكدا أن جذور الأزمة تعود بالأساس إلى اعتراف باريس بمغربية الصحراء في يوليوز 2024، والذي شكّل منعطفًا حاسمًا في العلاقات الثنائية.
وأضاف المتحدث أن هذه الخطوة من شأنها تقويض أي مساعٍ فرنسية لإعادة تطبيع العلاقات، خاصة المبادرات التي كان يقودها الرئيس إيمانويل ماكرون ووزير داخليته، في ظل زيارة كانت مرتقبة لهذا الأخير إلى الجزائر.
وختم بن زهرة بالتأكيد على أن ملفات عالقة عديدة لا تزال تؤجج التوتر بين البلدين، من بينها ملف الصحراء المغربية، وقضية اختطاف معارض جزائري بفرنسا، إلى جانب ملف الصحافي الفرنسي كريستوف غليز المحكوم عليه بالسجن في الجزائر، وهي قضايا “تعقّد أي أفق حقيقي للتهدئة”، على حد تعبيره.



